روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
286
عرائس البيان في حقائق القرآن
في السر ، وجملتها قسم أي : بحقّ الوحي السري والمحب والمحبوب والقرآن الظاهر الذي ينبئ عن الأسرار إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ، الليلة المباركة ليلة المعراج التي وصل الحبيب إلى الحبيب ، وذلك مبارك عليه ؛ حيث رأى ربه ، وأنزل على قلبه القرآن من سماء الأزل إلى روحه ، ووصل إليه بركات جماله وخطابه ، سمع من الحق كلامه شفاها ، ونزل إليه من الحق أنوار كلامه ، وكلمه تسعين ألف كلمة ، وما نزل القرآن في أي وقت كان إلا وذلك الوقت مبارك عليه وعلى أمته ، وليلة نصف شعبان ليلة يتجلى الحق بعزته وجلاله للعالمين ، ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه تعالى ينزل من السماء في ليلة النصف من شعبان » « 1 » ، وما بارك تلك الليلة ؛ حيث يصل بركات جماله إلى كل ذرة من العرش إلى الثرى ، وفي تلك الليلة اجتماع جميع الملائكة في حظيرة القدس . قال ابن عطاء : ليلة مباركة لمجاورة الملائكة ومقارنتهم . وقال سهل : أنزل القرآن في هذه الليلة من اللوح المحفوظ على روح محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الروح المبارك ، فسمّى اللّه الليلة مباركة لاتصال البركات بعضها ببعض . قال جعفر الصادق : هذا من العلوم المكتومة ، إلا أن العلماء يخبرون عنها بلطائف الفهوم ، فالحاء هو وحي كتابه المنزل على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، والميم كتابه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقال أيضا : إن نزوله كان ليلة القدر . وقال الأستاذ في حم : فالحاء تشير إلى حقه ، والميم تشير إلى محبته ، ومعناه : وحقي ومحبتي لعبادي وكتابي العزيز إليهم إني لا أعذّب أهل محبتي بفرقتي ولا بشيء دونها . وقال في قوله : لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ : لأنها ليلة افتتاح الوصلة لأهل القربة . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 4 إلى 8 ] فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( 4 ) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 5 ) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 6 ) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 7 ) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) قوله تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( 4 ) : يفصّل في تلك الليلة أمور الخلق من العرش إلى الثرى ، ويجددها على العقول والأرواح والقلوب على عيون الملائكة قضيات الأولية ؛ لإدراك فهومهم صورة المقدرات ، ويعطى كل ذي فضل جزاءه من القربات والمداناة ، ويوصل بركات جماله إلى كل ذرة في العالم ، فتحملها ببركاته حتى تلد في أوان
--> ( 1 ) رواه العقيلي في الضعفاء ( 3 / 29 ) .